الشيخ السبحاني

646

رسائل ومقالات

حكى ابن هشام في ذكر الأسباب التي دعت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسير نحو مكة في شهر رمضان سنة 8 ه وقال : ثمّ خرج أبو سفيان حتّى قدم على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ، فدخل على ابنته أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول اللَّه طوته عنه ، فقال : يا بُنيَّة ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به عني ؟ قالت : بل هو فراش رسول اللَّه وأنت رجل مشرك نجس ، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول اللَّه . « 1 » وقد اتّفق كُتّاب السير على أنّ أُمّ حبيبة أسلمت في مكة المكرمة قبل الهجرة ، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة ، وذكرها ابن هشام من المهاجرات إلى الحبشة . قال ابن هشام : ومن بني أُميّة عبيد اللَّه بن جحش بن رئاب الأسدي حليف بني أُميّة ابن عبد شمس معه امرأته أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، فلما قدم عبيد اللَّه أرض الحبشة تنصّر بها وفارق الإسلام ومات هناك نصرانياً ، فخلف رسول اللَّه على امرأته من بعده أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب . « 2 » ثمّ إنّ ابن حزم ممّن تنبه إلى الإشكال في الرواية وقال : والآفة فيه من عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل . وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على ابن حزم ، فقال : لا نعلم أحداً من أئمّة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث ، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما ، ثمّ حاول أن يصحح مضمون الحديث بأنّ أبا سفيان سأل تجديد عقد النكاح تطييباً لقلبه ، لأنّه كان ربما يرى عليها غضاضة من رئاسته ونسبه أن تزوج بنته بغير رضاه ، أو أنّه ظن انّ إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد . « 3 » يلاحظ عليه أوّلًا : إنّ إذن الولي معتبر في تزويج البكر لا الثيّب وقد تزوجها ابن جحش فلما مات في الحبشة ، تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : « ليست للوليّ مع الثيّب أمر » . « 4 » وثانياً : إنّ ما ذكره النووي تأويل لو ارتكبه غيره لرمي بالجهمية ، فلم يكن أبو سفيان بعد إسلامه على درجة عالية من التقوى حتّى يتسنّى لابن الصلاح إبداء مثل هذه الظنون . ومن أراد أن يقف على حياته فليرجع إلى المصادر الّتي ترجمت حياته . وفي الختام أرجو من أساتذة الحديث وصيارفته عرض ما ذكرت على طاولة التحقيق عسى أن أكون مخطئاً في ما استنتجت أو مصيباً .

--> ( 1 ) . السيرة النبوية لابن هشام : 2 / 396 ، وغيرها من المصادر المتوفّرة . ( 2 ) . السيرة النبوية لابن هشام : 2 / 362 . ( 3 ) . شرح صحيح مسلم للنووي : 16 / 296 . ( 4 ) . سنن أبي داود : 2 / 233 برقم 2100 ؛ والسنن للنسائي : 6 / 85 ؛ ومسند أحمد بن حنبل : 1 / 334 .